وهبة الزحيلي
313
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فيما رواه مسلم عن زيد بن خالد الجهني صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بخير الشهداء : هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها . وإن تلووا أو تعرضوا فاللّه خبير بأعمالكم ، وسيجازيكم بذلك . وعبر بالخبير ولم يعبر بالعليم ؛ لأن الخبرة العلم بدقائق الأمور وخفاياها ، والشهادة يكثر فيها الغش والاحتيال واللف والدوران . فليحذر المخالفون . ثم أمر اللّه بالإيمان به وبرسوله وبالكتب التي أنزلها ، فإن كان هذا خطابا للمؤمنين فمعناه اثبتوا على ذلك وداوموا واستمروا عليه ، كما يقول المؤمن في كل صلاة : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة 1 / 6 ] أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه ، وكما قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [ الحديد 57 / 28 ] . وهذا رأي ابن كثير والقرطبي « 1 » . وقوله : وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يعني القرآن ، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة . وإن كان الخطاب لمؤمني أهل الكتاب فيراد به الأمر بالإيمان بالنبي محمد وبالقرآن ، كالأنبياء السابقين والكتب المنزلة قبل القرآن . فقد روي أن هذا خطاب لمؤمني اليهود . قال ابن عباس وكذا الكلبي : « إن هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن سلام ، وأسد وأسيد ابني كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلام ابن أخت عبد اللّه بن سلام ، ويامين بن يامين ، إذ أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير ، ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بل آمنوا باللّه ورسوله وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله ، فقالوا : لا نفعل ، فنزلت ، قال : فآمنوا كلهم » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 1 / 566 ، تفسير القرطبي : 5 / 415 ( 2 ) الكشاف : 1 / 430 ، أسباب النزول للواحدي : ص 106